ثقافي / حارة السيباني .. سرد أثري لوقائع تاريخية تتقاطع أفكارها

السبت 1443/2/18 هـ الموافق 2021/09/25 م واس
  • Share on Google+

مسقط 18 صفر 1443 هـ الموافق 25 سبتمبر 2021 م واس
النشرة الثقافية لوكالة الأنباء العمانية ضمن التعاون المشترك مع اتحاد وكالات الأنباء العربية " فانا ".
تشكل الحارات العمانية القديمة خصوصية مثالية لارتباط إنسان عُمان بأرضه وثقافته الراسخة، حيث العمق التاريخي الفريد، تتعدد بتشكيلاتها ومواقعها ذات الخصوصية الاجتماعية المتفردة، مرورا بتفردها بالأحداث المتعددة التي رافقت نشأتها وتكوين جغرافيتها، من بينها حارة السيباني، وحارة السليف وحارة فنجاء، وحارة اليمن، وحارة العقر، وغيرها من الحارات العمانية التي لا تزال عالقة بحواضرها في مخيلة كل عماني .
حارة السيباني، بنيابة بركة الموز بمحافظة الداخلية، هي إحدى أهم الحارات العمانية القديمة في عُمان، عملت منذ أمد بعيد على إيجاد التكوين الجغرافي الاجتماعي والثقافي ، الذي طالما شكل البيئة العمانية الاستثنائية في ولاية نزوى، ذلك التكوين الذي جاء نتيجة تفاعل الأوائل من أبناء عُمان مع الظروف المحيطة بهم، وتطويعها بما يتناسب مع معطيات عصورهم وتعدد أحوالها وخصائصها .
المتتبع لبنية حارة السيباني وتشكلها يجد تلك الخصائص الدفاعية ونمط الشوارع وجميع الدلائل القائمة لفهم تطورها وتنظيمها، بما في ذلك برجها الدائري الذي يتيح هو الآخر إمكانية المراقبة والتواصل مع الأبراج الأخرى المنتشرة فيها .
وما يميز الحارة أن جدارها الشرقي يحتوي على "بوابة للهروب" تفضي هي الأخرى إلى أسفل التلة باتجاه منطقة (الجنينة) التي يوجد بها مسجد صغير ومقبرة.
وثمة تفاصيل دقيقة تضمها الحارة بما في ذلك تلك الأبنية الحجرية الجافة التي يروى بأنه كان يستخدمها الحراس (السياب)، وربما أخذها لاحقا رعاة الأغنام شبه الرُّحل واستخدموها لإيواء قطعانهم، وتشير المصادر إلى توسعة شملت الحارة باتجاه الجنوب منذ 100 عام تقريبا، شملت الساحة الحالية الكبيرة للمدخل التي يوجد بها مسجد اسمه (مسجد الولجة) مع مدرسة لتعليم القرآن ومنزل كبيرا يسمى بيت الصقور .
وتحتوي الحارة على عدد من المرافق العامة تتركز غالبا على طول قناتي الفلج أو بالقرب منهما، يقسمهما فلج الخطمين داخل الحارة، ومن بين تلك المباني مسجد الولجة في انسجام مع الطبيعة الرسمية السائدة في محافظة الداخلية، فهو يتخذ شكل "شبه المكعب" في مظهره بمدخلين أمامي وخلفي على منصة مرتفعة، ويحتوي على محراب مقوس غير مزخرف، وتعلوه قبة صغيرة، بالإضافة إلى مدرسة لم يبق منها سوى واجهة المدخل الجنوبية، وقد كانت فيما مضى قاعة طويلة ذات ارتفاع بارز، بالإضافة إلى غرفة بئر ملحقة بها ويمكن دخولها من الجهة الشمالية وكانت هذه البئر المصدر الوحيد للماء إلى جانب الفلج .
أما السبل فتختلف أنواعها فهناك العامة المفتوحة لجميع قاطني الحارة، والسبل الخاصة المعنية بقبائل بعينها، مثل سبلة الصباح والسبل شبه الخاصة الملحقة بالمساكن المهمة .
تتمتع مساكن الحارة -وكلها تقريبا ذات طابقين- بمخطط مركب، ويعود ذلك جزئيا إلى التعقيد الطوبوغرافي الذي تعين عليها التعامل معه. وغالبا ما تتداخل المساكن مع بعضها فتمتد إلى ممتلكات مجاورة ، وعلى نحو فريد غير شائع تحتوي بعض المساكن على مداخل من الطابق العلوي نتيجة للتحول الطوبوغرافي الذي حدث في الحارة .
والمتتبع لحارة السيباني يجد النمط السكني الشائع في محافظة الداخلية إلى حد كبير، حيث تحتوي على حظائر (للأغنام والأبقار) ومخازن التمور وغيرها من المرافق الحيوية، وتتميز بتجانسها مع طوبوغرافيتها، وتبدو عليها آثار تشكيلية، تشير إلى تأقلمها مع التحديات الطوبوغرافية في ظل توسع الحارة، تلك الطبيعة الفريدة فرضتها التلة المنحدرة التي نشأت الحارة على طولها، كما تشتمل على أوجه تشابه كبيرة مع الحارات الجبلية الشائعة داخل عُمان (مثل مسفاة العبريين)، إلا أن التلة المنحدرة بالتحديد أوجدت فروقا كبيرة بين أنواع المباني التي تجسّر لدراسة واسعة شاملة تكشف خبايا تلك الفروقات وأنواع منازل الداخلية .
ثمة مؤشرات على أنه بعكس التاريخ المتداول بين الناس يحتمل أن منطقة الحارة كانت مأهولة في أزمنة ماضية، ويدل على ذلك اتساع رقعة العمران خلف البرج الدائري على قمة التلة .
وظل الموقع الإستراتيجي لواحة بركة الموز وللحارة بوابة إلى الجبل الأخضر محافظا على أهميته، إذ تقع الواحة بالقرب من النقطة التي ينبثق منها وادي المعيدن من بين التلال مما يتيح السيطرة على مدخل الجبال، أضف إلى ذلك أن المسجد "الشريعة القديمة"، والمسكن المحصن "بيت الرديدة"، يقعان هناك .
وتجمع الحارة قنوات الفلج وما يتصل به من نقاط تجميع الماء واستخداماته، وكلها مدرجة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو .
وتعد حارة السيباني نموذجا لأعمال التطوير المتأخرة في الحارات في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، تزامنا مع تطوير طرأ في الحمراء وإعادة بناء عدد من التجمعات السكنية في ذلك الوقت، مثل حارة اليمن في أزكى، إذ تتسم هذه التجمعات بسرعة إعادة تشييدها، كما يعكس تطور الحارة الصعود الاجتماعي التدريجي لبعض العائلات، مما أدى إلى نشوء مساكن كبيرة جدا في سفح التلة، وهذا التحرر الحديث نسبيا من العقبات الطوبوغرافية نتج عن زيادة الثروة وأدى إلى نشوء منطقة مدينة جديدة احتوت على مساحة مفتوحة طالما شغلها المسجد .
يتضح من التاريخ الاجتماعي والسياسي للحارة مدى تعقيد الحياة وتحلي السكان بالصبر، ويدل التنوع الكبير في المجالس -من شبه الخاصة إلى العامة- على اختلاف آراء الناس وتصوراتهم حول الاجتماع البشري وأنشطة المجتمع، وهذه بالذات ميزة متفردة عن التجمعات .
هناك مجموعة من المخاطر القائمة التي تهدد أهمية الموقع وتتمثل في أن الحارة بأكملها ليست مأهولة في الوقت الحاضر، نتيجة التحول الديموغرافي سواء من محافظة الداخلية التي يغلب عليها الطابع الريفي باتجاه مدينتها الرئيسة (نزوي)، أو باتجاه العاصمة مسقط، ويعود ذلك إلى العزوف العام عن العيش في بيئات تقليدية نتيجة للتغير الاجتماعي الكبير وعوامل "العصرنة" التي تمر بها السلطنة في الوقت الراهن .
وبذلك فإن المشكلة التي تعاني منها الحارات العمانية التقليدية هي نزوح السكان أو هجرتهم، ونظرا لهجر المساكن في الحارة لا توجد صيانة مستمرة وحفظ فوري للمشكلات التي تظهر بسبب هذا الهجر، كما أن الأنقاض المتداعية ومخلفات السكان المحليين تشكل خطرا كبيرا على الصحة والسلامة، وتحديا ماثلا أمام عملية الحفظ .
وفي هذا الإطار عملت السلطنة ومن خلال مؤسساتها الرسمية المعنية على إيجاد منظومة متكاملة للحفاظ على تلك الخصوصية التاريخية الثقافية والاجتماعية للحارات العمانية من خلال تسخير جميع إمكاناتها لإعادة ترميمها وإعمار مكوناتها، وتقدّم نموذجًا فعليًّا تقدميًّا في شأن الهندسة والعمارة العمانية التقليدية.
وقد سعت الحكومة للاشتغال بها من خلال أسس علمية متخصصة في مجال حماية تجمعات المباني التاريخية، وتعود أهمية حارة السيباني إلى كونها بوابة تاريخية وثقافية اجتماعية نحو الجبل الأخضر الذي يعد وجهة سياحية معروفة في السلطنة، نظرا لما يتمتع به من طقس فريد، وأصبحت الحارة مزارا سياحيا مما جعل من الممكن تعزيز هذا الاهتمام السياحي عبر وضع خطة مناسبة لإدارة التراث، كما تتميز بتكونها الطوبوغرافي الفريد، فهي تمتد على واجهة تلة شديدة الانحدار بارزة للعيان، بالإضافة إلى تاريخها القبلي والحديث، مرورا بتنوع مساكنها بما يتماشى مع التحديات الطوبوغرافية التي تشكل الرؤية العامة للحياة في تلك المناطق المحيطة بها .
ـ الطفل بين القراءة وتدفق المنصات الرقمية.. نحو إعادة مثالية الكتابة وجماليات طرحها
لطالما كانت لأدب الطفل مساحة استثنائية في مخيّلة الكاتب العربي وغير العربي على وجه العموم، مع الإدراك أن الكتابة من أجل الطفل ليست كتابة عابرة، فهي تستند إلى أُسس وأفكار تتوافق مع تطلعاته وأهدافه وطموحاته، وأفرز ذلك الحرص أنّ ما سيقع بين يدي الطفل من إنتاج أدبي كالقصّة أو الشعر أو حتّى النشيد يكون بمفهوم المبتكر والمتوافق مع كل مرحلة، واليوم في ظل المغريات المادية والبصرية المحيطة به، المتمثلة في تدفق الألعاب الإلكترونية وما تقدّمه المنصات الرقمية من وسائل ترفيهية متعددة، نقول: كيف لنا أن نُعيد قيمة القراءة إليه، وإنعاش علاقته بالكتاب والمحتويات التي تناسب مخيّلته، وهل نقول إن العصر الرقمي قد سيطر فعلاً على العلاقة التي كانت تربط الكتاب بالطفل؟ هذه التساؤلات أجاب عليها مختصون عُمانيون وعرب فكانت الردود متوافقة مع الطرح ، حيث يقول الدكتور عامر بن محمد العيسري وهو مهتم بأدب الطفل في السلطنة وأستاذ مساعد بقسم التربية المبكرة بكلية التربية بجامعة السلطان قابوس: " تعدّ القراءة إحدى نوافذ المعرفة، فهي من أعظم إنجازات الإنسان وأداة من أهم أدوات التعرُّف على نتاج الجنس البشري، وهي واحدة من أهم فنون اللغة ومهاراتها، وقناة لا غنى عنها للاتصال مع عالم يتّسع باستمرار، فعن طريق القراءة يُشبع الفرد رغباته وينمّي فكره وعواطفه ويُثري خبراته، وتعليم القراءة يعدّ ضروريًا للأطفال ليساعدهم على التواصل مع الآخرين واتّساع معارفهم ومداركهم، فينبغي إكسابهم مهارات الاستعداد القرائي منذ مرحلة الطفولة المبكّرة، والألفة بالكتب ومهارات الاستماع تعدّان جزءًا أساسيًا في نمو القراءة التي تنشأ لدى الأطفال منذ الولادة " .
وفيما يتعلّق ما إذا كان العصر الرقمي قد سيطر فعلاً على العلاقة التي كانت تربط الكتاب بالطفل يقول العيسري:" أصبح العالم في عصر التكنولوجيا متشبعًا بالعديد من الوسائل والوسائط والألعاب الإلكترونية التي ترجّح كفّة انجذاب الأطفال إليها عن تقليب صفحات الكتب والاستمتاع بالقراءة فيها، لهذا ينبغي أن تحرص الأسرة على تقوية علاقة أبنائها مع الكتاب وإكسابهم مهارات القراءة وتهيئة المناخ المناسب لهم، ويتسنّى لهم ذلك من خلال التحدُّث إلى الطفل الرضيع والغناء له وتقديم صور أو كتب زاهية يقلّبها والإشارة إلى الصور بصوت واضح ولغة مفهومة، وعندما يبلغ الطفل سنتين تُقدَّم له حكاية القصص المصوَّرة وإعطاء فرصة له للنظر في الصور مصحوبة بتعبيرات الوجه والصوت تبعًا لأحداث القصة ".
ويضيف عيسري قائلاً: " ينبغي توفير مكتبة أو ركن للقراءة للطفل في البيت يتضمّن ألعابًا إدراكية تساعد في إكساب الأطفال مهارات القراءة وجذبهم لها، كما يتضمّن قصصًا وأناشيد متنوّعة مناسبة لخصائصهم، وينبغي تخصيص وقت يومي للأطفال يقضونه فيها تارة بأنفسهم وتارة نكون معهم لحكاية القصص وقراءة الأناشيد الجميلة لهم، وممارسة القراءة الفردية والجماعية وتشجيع الأطفال الأكبر سنًا على القراءة للأطفال الأصغر، ولا ننسى تقديم عبارات الثناء المناسبة لتعزيز الأطفال في كل خطوة يخطونها للأمام إلى عالم القراءة، ويمكن من خلال التدريب والممارسة أن نمكّن الطفل في عمر مبكر من أن يقوم هو الآخر بقراءة القصة التي نرويها له، وحكاية القصص حتى لو كان ذلك من خياله؛ لأن ذلك يُكسبه مفردات وثقة بما يُصدره من كلمات، وينبغي عدم الضغط على الطفل بالقراءة المستمرة، فيجب جعل هذه المهمة ممتعة بالنسبة للطفل وليست عبئًا عليه ومصحوبة باللعب، مع إكسابه الثقة بالنفس فيما يقدّمه إزاء هذه المهمّة " .
من جانبه أكد الكاتب ميزوني بنّاني -الخبير التربويّ التونسي وصاحب الرواية الموجهة للناشئة "رحلة فنّان" التي فازت بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع أدب الطّفل والنّاشئة2021- أهمية إعادة قيمة القراءة إلى الطفل، وإنعاش علاقته بالكتاب والمحتويات التي تناسب مخيّلته، ويقول: " في ضوء كل هذا التقدُّم في تكنولوجيا المعلومات والاتصال وبيئات التّلعيب الإلكتروني يمكنني أن أقول إنّ طفل هذا العصر لم يعُد منذ سنين طفل الزّمن البعيد الذي ضبط فيها علم نفس النمو تطوُّر مرحلة الطّفولة والسّلوكيات، الّتي كان يتوقّع أن تصدر عن الأطفال في كلّ فترة عمريّة، حيث فرضت الشّبكة العنكبوتيّة علينا صنفًا جديدًا من الأطفال هو الطفل الإلكتروني / الرّقمي/ طفل الغرف الزّرقاء: الفيسبوك؛ هذا الصّنف الجديد أثبتت سلوكياته وخطاباته أنّه يكبر - وربّما بصفة غير طبيعيّة - قبل الأوان بعيدًا عن تلك المراحل العمرية الفرعيّة التي وضعها علم نفس النمو، إنّه طفل فقد الدهشة من فرط اطّلاعه على العجائب والغرائب التي يحفل بها العالم في كلّ ثانية من الزّمن، هنا لا بدّ من مسايرة الوضع وتجنيد عناصر الطفل الرّقمية واستثمارها في /بيداغوجيا/ إدهاش الطّفل وترغيبه في المطالعة عن طريق تجذير محبّة القراءة في نفوسهم وسلوكهم اليوميّ عن طريق محامل رقميّة أو ورقيّة تبعث فيه الدّهشة؛ فكتاب لا يدهش الطفل بداية من الغلاف والعنوان كتابٌ لا يُقبل على قراءته الأطفال مهما كان جنسه الأدبيّ (شعر، أو رواية، أو قصص، أو قصص مصوّرة، أو مسرح..) " .
ولم تبتعد الكاتبة والمتخصصة في أدب الطفل أزهار بنت أحمد الحارثية عمّا جاء به بناني من تفاصيل، وهنا تشير حول أهمية إعادة قيمة القراءة إلى الطفل، وإنعاش علاقته بالكتاب والمحتويات التي تناسب مخيّلته قائلة: " العصر الرقمي سيطر على الكثير من مجالات الحياة وأحدث تغييرات هائلة عليها، وطريقة تفكير الطفل وتعامل الآخرين معه ليست بمنأى عن هذا التغيير، وهي من الأشياء التي تؤثر على سلوكياته وتوجهاته؛ لأن طفل اليوم يتعرّض لزخم معرفي هائل يتقاطر عليه من وسائل التواصل الاجتماعي والوسائل الأخرى التي تمكّنه من استخدام التكنولوجيا، وهذا تغيّر طبيعي يتماشى مع التغييرات الحالية، لكن لا بدّ لنا أن نسهم في عدم تحوُّل هذا التغيير لشيء سلبي وأن نكثّف جميع الجهود لصنع مستقبل ناجح للأطفال بتوفير الأدوات المناسبة والحلول المُثلى التي تفتح له آفاقًا أفضل، كما يجب أن نستثمر إمكانياته لنصنع معه مستقبلاً يؤثر إيجابيًا عليه وعلى وعيه .
فيما أوضحت الكاتبة المصرية صفاء البيلي أهمية إعادة قيمة القراءة إلى الطفل، وإنعاش علاقته بالكتاب والمحتويات التي تناسب مخيلته من خلال تساؤل مشروع حول هذا الجانب، وتقول: " كيف يمكننا ككُتّاب وشعراء مهتمين بالكتابة للطفل إرضاء غرور وطموحات طفل اليوم؟ بل كيف يمكننا إرواء عطشه في أن نقدِّم له بين دفتي الكتاب ما يواجهه ويعيشه من خيال جامح عبر ذلك الجهاز الصغير الذي يلازمه ولا يتجاوز حجمه كفّ اليد الواحدة؟ هل نسعى لما يُرضيه، أم نقدِّم له ما يُرضينا نحن ويُرضي ضمائرنا ككُتّاب منوط بهم تربية جيل تربية معرفية ووجدانية ونفسية؟ وتؤكد البيلي أنها إذن معادلة خطيرة ونتائجها -إن لم تُحسب مقدماتها- ستكون وخيمة، فالطفل صار متعلقًا بشكل كبير بما يحقق له المتعة ويدمجه في عوالم الخيال، بات يميل إلى الألعاب التكنولوجية التي يصير فيها شريكًا أو منافسًا.، حتى القصص والروايات إن لم يجد نفسه فيها عافها وتركها، لم يعُد الطفل ساذجًا حتى يتقبّل قصص الحيوانات إلا في السن الصغير جدًا، وعلى الكاتب أن يخترع له ما يُثير انتباهه ويُدهشه، كما أنه ليس مهادنًا فلن يقبل تلقين الأفكار ولا المعارف، لقد صار يناقش ويقبل ويرفض وعلينا التعامل مع عقله باحترام كبير، لذا على الكاتب مراعاة السن الذي يتوجه إليه بالخطاب، كما يراعي البيئة التي يعيش فيها الطفل .
من جانبها بيّنت الكاتبة الكويتية هبة مندني أنها خاضت تجربة الكاتبة للطفل من خلال مجموعة قصصية للأطفال كتبتها سابقًا، بالإضافة إلى خبرتها الطويلة في هذا الشأن، ففي شأن أهمية إعادة قيمة القراءة إلى الطفل، وإنعاش علاقته بالكتاب والمحتويات التي تناسب مخيّلته تقول مندني: " لا بدّ أن نعي ونعترف أن الطفل اليوم أصبح مهووسًا بالتحديق في الشاشات المتوهجة، فالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية أصبحت ترافقه في كل مكان ولا تفارق يده، فلا تتعجب من نجاح التكنولوجيا في سحب البساط من الكتاب الورقي والقراءة بشكل عام، وأمام هذه المشكلة لا يجدر بنا الوقوف مكتوفي الأيدي، فكيف لنا أن نُعيد للقراءة قيمتها وبهجتها لدى الأطفال؟ في البداية يجب علينا أن نعي بأن إنعاش القراءة لدى الأطفال هو واجب مشترك بين أفراد ومؤسسات المجتمع كافة، إنها مسؤولية كبيرة تحتاج إلى مبادرات وجهود مجتمعية مُشتركة بدءًا من الأُسرة والمدرسة وانتهاءً بالمؤسسات الحكومية والأهلية، فإدراك الأُسرة لأهمية القراءة للطفل ومساعدته على اقتناء الكتب الورقية وتشجيعه على القراءة هي أولى مراحل علاج المشكلة، كما أن جزءًا كبيرًا من الحل يقع على عاتق المنظومة التعليمية التي تستطيع بدورها تخصيص زوايا للمطالعة الحرة في مدارسها وضمن مناهجها التعليمية .
أما الكاتبة العُمانية إيمان فضل فتقول: " الطفل بطبعه يُحب التقليد وهو يتبع القدوة الموجودة حوله، فإذا كان المُربي القدوة قارئًا ممتازًا والطفل يشاهد القدوة برفقة كتاب سيُحب الطفل الكتاب وسيحاول جاهدًا تقليد قدوته، أما إذا كان القدوة مع هاتفه المحمول أو جهاز إلكتروني آخر ستزيد رغبة الطفل في تقليد القدوة وقضاء ساعات على الهاتف أو الأجهزة الإلكترونية، لنكن قدوة فيما نُحب أن يقتدي به أولادنا ثم نشاركهم الحوار حول الكتاب المناسب لهم ليشعروا بأهمية هذا النشاط في يومهم" .
ـ اللعب على الوقع الهندسي التشكيلي وصور الورق المتحركة .. طريق حياة مع الفنان العماني علي المحضار
يقدم الفنان العماني علي فيصل المحضار رؤيته الفنية بشكل مغاير ومختلف، فهو يرى - ومن خلال تلك الرؤية التي شكلت تجربة فنية بعد حين - أن الحياة معترك يتوجب الوقوف على تفاصيله، من خلال الترجمة الفنية لذلك، وتقديمها في قوالب فنية ممتعة للمتلقي، تلك الترجمة التي تأسست منذ أكثر من 20 سنة تحاول أن تُوجِد لها خصوصية تختلف عن خصوصية تلك اللوحات التي قد نراها وتشابهت في قوالبها في معارض فنية شتى، فالمحضار يتناول فنَّه وكأنه في حالة تسابق في التقاط الفكرة والاشتغال عليها بمشاهد بصرية بها تفردٌ مشتعلٌ بالتكوينات الهندسية، فأنت تُشاهد التصاعد اللوني والصراع الذاتي لكل فكرة في كل لوحة، كما أن علاقته بصور الورق ومفاهيمها أسست طريق حياة مختلفة، ومن أجل ذلك يقترب المحضار ليقول كلمته في شأن ما يقدمه من فن دقيق مغاير .
هنا يقترب الفنان التشكيلي العماني علي المحضار ليقرّبنا من تجربته بصفتها أسلوب فن وحياة، نحن نتحدث عن الرسم وأساسياته التي يستند عليها، لكن للمحضار خصوصية تربطه باللون وحكايات الفرشاة، فهو يشير إلى ذلك بقوله: " لا بد أن نعي أن الفكر والإبداع والفن مميزات مع كل إنسان، ولكن التعبير عن تلك المميزات تختلف بقدر العلم والمعرفة والقدرات، فهناك من لديه القدرة ليعبر بالكلام والبعض بالأفعال وهناك النقيض، فعلى سبيل المثال حتى الأمور غير الجيدة تقدم بصور شتى مع ذات الإنسان، بما في ذلك الكراهية أيضا، ولها صنوف شتى، مرورًا بالتفاصيل الأخرى المرتبطة بالحياة اليومية، التي تؤكد أن لكل إنسان فهمه في تقديم إبداعه، مشيراً إلى أن تجربته هي محصلة لسنوات ليست بالقصيرة، جاءت بعد تمحيص وتجارب عديدة واطلاع معرفي فني حاولت من خلاله الاقتراب من حياة الناس والتعرف على خصائصها وأبجدياتها، وهذا مقرون بالإدراك التام أن لكل إنسان حقه في إظهار إبداعه بالطريقة التي يريدها ويراها مناسبة لتكون بين يدي متلقيه، وما هذا الإدراك إلا ذلك العلم التام أن لكل إنسان مجاله ومساره الصحيح اللذين يشقهما بطريقته الخاصة مع الطموح للمزيد من التألق وصولًا إلى بلوغ النهايات .
وللفنان التشكيلي علي المحضار العديد من الأعمال والبرامج التي جسدت تجربته الشخصية على مدى السنوات الفائتة ، حيث يعد أحد الفنانين البارزين في مجال الرسم والتصوير، وفي مجال الأعمال التركيبية بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية، وشارك في العديد من المعارض على المستوى المحلي و الإقليمي والعالمي .
ـ إصداراتٌ عُمانية
صدر للكاتبة العُمانية سعاد بنت علي العريمية عن دار "كتبنا" إصدارها القصصي السردي بعنوان "تمرد عشتار"، بعد علاقة تراكمية مع الكتابة استمرت سنوات، وتبني العريمية إصدارها الحالي وما جاءت به القصص القصيرة على إصدارها السابق "أساطير عشق" حيث يعد هذا الإصدار امتدادًا للإصدار السابق .
ويأتي الغلاف وماهيته ليكونا أكثر قربًا من نصوص المجموعة، حيث جماليات الأنثى وتناقضاتها فهي رمز للحب والجمال والعطاء والعواصف الهوجاء في بعض الأحيان على حد تعبيرها، التي تنسف كل من يحاول أن يكبت ذاتها، فكل أنثى حسب قولها هي عشتار (آلهة الحب والحرب) .
كما صدر كتاب الدراجة الهوائية "كلما آبت دراجة إلى البيت" للكاتب حمود حمد الشكيلي عن دار نثر للنشر العُمانيّة، وهو الكتاب التاسع في سيرة الاشتغالات الأدبية للكاتب، وجاء الكتاب في 240 صفحة من القطع المتوسط .
وفي المجال الشعري صدر للشاعر العُماني عبد الله الكعبي ديوانه الشعري الجديد "ضمير المخمل" عن "دار شمس للترجمة والنشر"، الديوان يمثل استكمالًا لمشواره الشعري الذي امتد لسنوات .
وفي مجال أدب الرحلات أطلت الكاتبة سلامة العوفية من خلال إصدارها الأخير "مذكرات سال: عُمانية في أرض الهنود الحُمْر"، الذي يتشكل في صور تتقاطع أفكارها وخصوصية ملامحها، فهي - وعبر سماوات السفر - تُخبر القارئ عمّا يدور في الركن البعيد من الحياة، حيث اختلاف اللغات والعادات وسيرورة التقاليد، هناك وبالتحديد في "كندا" تأتي المذكرات مؤثثة بالاختلاف والتنوع، فتنقلها لنا المؤلِّفة بروح المبتكر في النقل .
وفي المجموعات القصصية صدرت أيضًا المجموعة القصصية الرابعة للقاصّ مازن حبيب بعنوان "قوانين الفقد" عن دار نثر للنشر في مسقط، وتضم المجموعة التي تقع في 128 صفحة من القطع المتوسط خمس قصص قصيرة بعناوين "لقاء الظهيرة"، و"لن يحدث لي مكروه"، و"الصف الرابع واو!"، و"من لا يودع يفقِد مرتين"، و"بيتي" .
أما في مجال الرواية فقد أكمل الكاتب العُماني عادل المعولي مسيرته مع الكتابة خلال الفترة الحالية من خلال طرح فلسفي مغاير، حيث روايته الأخيرة "الغابة الفاضلة"، وهي تتوج أعماله الفكرية الأدبية التي بدأت منذ مدة ليست بالقصيرة مع كتاب "لماذا تقدم العلم وتأخر الوعي"، الذي فاز بالجائزة التشجيعية في المسابقة السنوية للجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء إبان الاحتفال بجائزة الإبداع الثقافي لأفضل الإصدارات للعام 2016م .
كما قدّم الكاتب محمد بن سيف الرحبي تجربة روائية جديدة عبر روايته الجديدة "تاج ونجمتان وسيفان" مستلهمًا السيرة الذاتية التي سبق أنْ قدّمها الرحبي عبر كتاب "جندي من مسكن.. شهد الذاكرة" الذي تضمّن مسيرة الفريق أول متقاعد سعيد بن راشد الكلباني، منذ رحلته الأولى في العسكرية جنديًّا ضمن جيش السلطان سعيد بن تيمور، ووصولًا إلى تقلّده جهاز الشرطة كأول عُماني يتولى هذا المنصب .
// انتهى //
11:01ت م
0030