تقرير / مدرجات عسير الزراعية.. حكاية عطاء وتناغم أبطالها (حضارة إنسان وطبيعة مكان)

الجمعة 1440/7/29 هـ الموافق 2019/04/05 م واس
  • Share on Google+

أبها 29 رجب 1440 هـ الموافق 05 إبريل 2019 م واس

إعداد : سلطان الأحمري .

تصوير : علي الشهري.

ظلت المدرجات الزراعية في منطقة عسير جنوب المملكة شاهدة على حكاية عطاء وتناغم صاغ تفاصيلها إنسان المنطقة وطبيعتها، وقصة كفاح خاضها طوال عقود، ونجح فيها بتطويع طبيعتها وبيئتها العسيرة، وتوظيفها في خدمة متطلباته المعيشية، وجعل من انحداراتها الجبلية سلة غذاء آمنة، يتناول منها قوت يومه ويدّخر ما يفيض تحسباً لسنوات عجاف قد تفرضها قلة الأمطار وشح المياه في بعض المواسم.

وتعود فكرة المدرجات الزراعية نتيجة للتضاريس الجبلية والانحدارات والمرتفعات التي تشكل منها أجزاء كبيرة بالمنطقة، حيث تقوم بالاحتفاظ بالتربة الزراعية، إضافة إلى احتجاز مياه الأمطار التي تشكل المصدر الأساسي لمياه الري في الزراعة قديماً، وتستعيد " وكالة الأنباء السعودية " في هذا التقرير قصة الزراعة في عسير وتُسلّط الضوء على خططها الهندسية التي أصبحت تراثًا بشريًا وإرثًا ماديًا وعنصرًا مهمًا من عناصر الجذب السياحي بمنطقة عسير.

يقول أستاذ التاريخ بجامعة الملك خالد الدكتور غيثان بن علي بن جريس في حديثه لـ " واس ": إذا أردنا معرفة أحوال الزراعة قديماً ومدرجاتها سواء في حاضرة أبها أو في منطقة عسير، فإنه يغلب عليها الحالة البدائية البسيطة من حيث الأساليب المستخدمة في طريقة الزراعة والري، والمعدات والأدوات التي يحتاجها المزارع أثناء بذره الزروع وحصدها، وكذلك في معالجة المزروعات وحمايتها من الأمراض والآفات المختلفة.

ونقل عن " محمد أحمد أنور " معلومات عن الزراعة في عسير، وما يتعلق بوسائلها وطبيعتها في عهد الملك عبد العزيز آل سعود – رحمه الله- بوصفه معاصرًا لتلك الحقبة في كتابه ( أبها حاضرة عسير ) الموثق بتاريخ 15 صفر 1415هـ "بأن وسائل الزراعة كانت بسيطة جدا، وأن الغرب وحباله، هو الذي ينقل الماء من البئر بواسطة الثور إلى الزرع، والمحراث والسحب والمحش، وللبعير أهمية لنقل الأثقال من الزروع أو من قرية لقرية ، وكذلك الحمير والبقر للحرث ، ولتموين البيت باللبن والزبد والسمن ، والعقبة الكؤود في سبيل الزراعة القحط وقلة الماء أما إذا توفر الماء وكثرت الأمطار فكل شيء جميل، حبوب وسمن وسمين ، ومنها يشترى كل طلب بعد بيعها في الأسواق ".

وأضاف بن جريس : " زودني يحيى بن حسن بن مستور بمذكرة طويلة عن الزراعة في عسير وذكر تفصيلات كثيرة وما يصرف منها على العمال والضعفاء والمساكين وبعض جوانب التكافل الاجتماعي بين الناس في القرن الماضي ، ونوّه أيضا إلى رجال الدولة الذين ترسلهم لجمع الزكوات ، والذين يطلق عليهم (خراصة جمع خارص ) " فقال : " وعند الحصاد ، يدفع من محصول الثمار (للطلّابة) وقت فرز الحبوب من القصب والتبن ، وذلك بعد دفع الإيجارات للعمال الذين قاموا على خدمة الحصاد ، وبعد دفع ما يسمى بـ ( الرسم ) لأرباب المهن والحرف الذين قاموا بصيانة الآلات الزراعية ، بأنواعها الثلاثة من حديد وخشب وجلد ، طيلة الموسم بدون مقابل.

كما يخرج الزراع في كل قرية أو حي " العشر " لمالية الجماعة وهو معشار المحصول كاملاً للمزارعين، ويخزن في بيوت تسمى (مدافن) على شكل خزانات محكمة، تؤدي ما تؤدية اليوم صوامع الغلال لحفظ الحبوب، والمسئول عن استلام هذا العشر من المزارعين عدد من الأمناء يختارهم سكان كل قرية أوحي، وعددهم أحيانا أربعة أشخاص وربما ستة، وقد يزيدون وينقصون حسب الترشيح والاختيار، ويتم حفظ المجموع من العشر ويقفل عليه بأقفال على عدد الأمناء، فلا تصرف منه ولا يفتح إلا بحضورهم جميعاً.

// يتبع //

11:27ت م

0018


 

تقرير / مدرجات عسير الزراعية .. صناعة الطبيعة وسلة الغذاء الآمنة / إضافة أولى
وهذا المجموع من العشر يصرف في أمور تعاونية تكافلية لصالح أفراد الحي أو القرية الخاصة به ، وغالبا كان يصرف في الأحوال التالية منها من حلت به فاقة أو نزلت به ضائقة مالية من الجماعة أو خلافهم ولجأ إليهم فيعطونه بما يفرج كربته ، إما بسلفة أو مساعدة بدون عوض ، كذلك من لحقه دين أثقل كاهله في زواج أو بناء دار فيرفدونه بسلفة حتى ييسر الله عليه ثم يعيدها، وهم بدورهم يعيدونها لمالية الجماعة ، ومن الأحوال التي تصرف لأجلها من تحمل بما يسمى " حمالة" وهي دية في قتل أو جروح ، أو تلف أعضاء ، وهو في موقف الدفاع عن النفس أو العرض أو المال فيصرفون له أمناء خزانة العشر ما يساعده على اجتياز أزمته بدون عوض ، أما إذا كان ما اقترفه لأمور تخل بالشرف وتخدش الدين والمروءة فيتخلون عنه ، ويتركون شأنه لعاقلته لمعالجة موضوعه "
ويضيف بن جريس " ذكر ابن مستور ( الخراصون ) بأن عددهم في القرن الرابع عشر الهجري كان يحدد من الدولة بحسب أهمية القبيلة من حيث اتساع وتعدد قراها و كثافة سكانها ، وهؤلاء الخراصون من الأربعينيات إلى السبعينيات لم يكن لهم أجور من الحكومة، إلا ما قرره الشرع وهو نصيب العاملين عليها من الزكوات عند استحصالها من المزارعين ، وقد لا تسد حاجة تنقلاتهم وربما تقل فلا تغطي متطلبات أسفارهم المستديمة والمتوالية من قرية إلى قرية، وأحيانا تستغرق مهماتهم عدة أشهر ، الأمر الذي حمل الأهالي في كل قرية إلى استقبالهم بالترحاب ففتحوا لهم صدورهم ودورهم باذلين لهم ما يحتاجون من طعام وشراب و مسكن وأعلاف لدوابهم، وهكذا يظل هؤلاء الجباة طيلة مدة سفرهم معززين مكرمين في ضيافة أهالي القرى والأحياء في منطقة عسير يتبارون في تقديم ما يسهل مهماتهم ، توارثوا ذلك عن أسلافهم ، ومنذ بداية السبعينيات، خصصت الدولة لجميع جباة الحبوب والمواشي مبالغ نقدية وعينية من المالية ورفعت العبء عن المواطنين بما استحدثته من ترتيبات مالية وإدارية .
ومن جانبه أكد الأديب " علي مغاوي " أن المدرجات الزراعية انفردت بتخطيط هندسي رسمه انسان المنطقة منذ عقود كثيرة قد لايستطيع أحد تحديد تاريخها الحقيقي ولكنها تزيد عن أربعة قرون، وهذا ما فرضته جغرافية المكان المعروفة بالطبيعة الجبلية.
وأضاف مغاوي أنه عادة ما تكون تلك المدرجات متوسطة الارتفاع، وتتفاوت أعداد أراضيها أو ما يعرف بالركيب من خمسة إلى عشرة أراض تكون فوق بعضها البعض، ويصل ارتفاع الواحدة عن الأخرى من النصف متر إلى المترين والنصف، يكون أسفلها ما يسمى بالجلة التي تستقبل المياه الهابطة من المدرجات الزائدة عن حاجتها لتقوم بتصريفها، ويتحكم شكل الهلال في بناء المدرجات على السفوح، فيما تزداد توسعا وانبساطا في الأودية وجميعها تتميز بتجدد تربتها سنويا، في حين تنقسم أراضيها إلى قسمين الأولى تسمى العثري، ويقصد بها المواقع التي تعتمد على سقوط الأمطار وإنتاج محاصيلها بدون ري، بينما يطلق على القسم الثاني المسقوي أو " السقا" وهي التي تسهم الآبار في ريها.
// يتبع //
11:27ت م
0019

 

تقرير / مدرجات عسير الزراعية .. صناعة الطبيعة وسلة الغذاء الآمنة/ إضافة ثانية واخيرة
وأكد أنه على الرغم من قلة مساحة تلك المدرجات الزراعية، إلا أن مردود محاصيلها الزراعية مرتفع، وذلك لتجدد تربتها واقتصار زراعتها في الغالب على محصول البر الحنطة، وغالبا ما تزرع بخليط البر والشعير والعدس.
ومن جهته أشار تقرير لشعبة الإرشاد الزراعي بإدارة الزراعة بمنطقة عسير إلى أن المدرجات تختلف فيما بينها حسب الظروف البيئية السائدة والوضع الاجتماعي والاقتصادي لسكان المناطق التي تقام فيها، حيث تشكلت أنواع مختلفة للمدرجات منها الأفقية أو المستوية التي تتماشى مع الخطوط الالتفافية تماماً على المنحدر ، وتكون ذات سعة كافية لاستقبال جميع كميات الأمطار الساقطة فيما بين كل مدرجين متتاليين، وتقام في المناطق الجافة ذات التربة العميقة والنافذة ، وتكون قاعدتها عريضة بحيث تسمح باستخدام الآلة الزراعية وتصنف هذه المدرجات إلى أنواع عديدة منها " مدرجات مستوية قصيرة " طول كل منها نحو3-6م وتوزيعها يكون ملائم للانحدار ، و" مدرجات مستوية طويلة " وطولها غير محدد ولكن يستحسن بهدف تقليل المخاطر تقسيمها بقواطع ترابية على مسافات ۳ – 4م، وتغلق نهاية كل منها أو تفتح إلى مجار طبيعية ذات فتحات مغطاة بغطاء نباتي كثيف يمنع الانجراف ، و" المدرجات الحوضية الهلالية " وهي تمثل الأراضي المنحدرة الشديدة التعرية ، و " المدرجات المنحدرة ذات المجاري" وهي تنشأ بشكل مجارِ خاصة تنقل المياه الزائدة من الأمطار وبانحدار مناسب يسمح بسيلان المياه الراكدة في المدرج إلى مجرى مائي و " المدرجات المدرجة " وهي تنشأ وفق تدرج انحداري بسيط، وتكون مطابقة للمستويات .
وأوضح التقرير فوائد المدرجات الزراعية حيث تسهم إسهاماً فعالاً في صيانة التربة وحمايتها من الانجراف والتعرية، وكذلك في حفظ المياه والحد من انسيابها السطحي وزيادة معدل تسربها الداخلي، وفي تغذية الينابيع والجداول وزيادة تدفقها واستمراريتها وفي دعم الاحتياطي المائي للخزانات الأرضية السطحية والجوفية. كما تعمل المدرجات على تحسين خواص التربة الفيزيائية والكيمياوية ورفع خصوبتها، ولاسيما محتواها من المادة العضوية الناتجة من النباتات النامية فيها وبتأثير إحياء التربة، وتسهم في الحفاظ على التنوع الحيوي النباتي والحيواني ودعمه وإثرائه في المنطقة ، وتفيد المدرجات أيضاً في حماية الطرقات في المناطق الجبلية من الانهيارات والردم ولاسيما في فصل الشتاء ، وتسهل المدرجات كثيراً أعمال الخدمة الزراعية مثل الحراثة الآلية والري بالراحة وغيرها ، ويمكن ضبط جريان الأنهار والمسيلات على نحو شبه دائم في مجاريها بإنشاء مدرجات حجرية على يمين مجراها ويسارها لحماية الأراضي المجاورة من الانجراف أو الردم.
وعلى ضوء ذلك ، لم تغب الزراعة ومدرجاتها في منطقة عسير من الاهتمام الذي تقدمه القيادة الرشيدة في كافة الاتجاهات وكان الشاهد الأقرب ، تدشين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- مطلع العام الميلادي الحالي برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة، الذي يستهدف 8 قطاعات واعدة في إنتاج وتصنيع وتسويق البن العربي، وتربية النحل وإنتاج العسل، وتطوير زراعة الورد والنباتات العطرية، وإنتاج وتصنيع وتسويق الفاكهة، وتعزيز قدرات صغار الصيادين ومستزرعي الأسماك، وتطوير قطاع صغار مربي الماشية، وزراعة المحاصيل البعلية، إضافة إلى تعزيز القيمة المضافة من الحيازات الصغيرة والأنشطة الزراعية ، حيث تأتي ضمن الاهتمام والدعم ذاته ، وقد وضعت وزارة البيئة والمياه والزراعة خطة استصلاح المدرجات الزراعية بمنطقة عسير، عقب عمليات الرفع المساحي للأراضي الخاصة بها، إضافة إلى تفعيل السياحة الزراعية والاستفادة من المزارع لمصلحة السياح من خلال تهيئة منتجعات زراعية سياحية تقدم العديد من المنتجات . كل هذا يؤكد المستقبل الواعد للزراعة في منطقة عسير التي توّجت القيادة الرشيدة قصة الكفاح لها بمشاريع زراعية مستقبلية ودعم دائم يحقق إستمرارية انتاجها.
// انتهى //
11:27ت م
0020